الشيخ داود الأنطاكي
96
النزهة المبهجة في تشحيذ الأذهان و تعديل الأمزجة
وثالثها : يمتد على القصبة الكبرى البارزة حتى يخالط الباقي في القدم ، ومنه الصافن « 1 » ؛ ولذلك يفصد لجلب الدم . وهذه الثلاثة قبل انقسامها هي النسا « 2 » على الأصح ، فهذا توزيع الأوردة كلها . الرابع : في الشرايين والمراد بها كل عرق متحرك . ومنبتها من القلب ، وهي رباطية عصبيّه من طبقتين داخلهما إلى العرض تدفع البخار المحترق ، والأخرى إلى الطول تجذب النسيم البارد بحركتي البسط والقبض ، وبينهما كالعنكبوت موربا ؛ لزيادة الوقاية عناية من الصانع تعالى ذكره بما فيها من الأرواح ؛ إذ لو رقت لانحلت فتنهك الأبدان بسرعة وهذه توزع في البدن توزيع الأوردة والأعصاب لكن . قال المعلم : إن الثلاثة تعظم في بعض الأعضاء دون بعض ولم يعلل ذلك ، فقال : من اعتنى بتعليل ألفاظه كالشيخ والفاضل أبي الفرج الملطي : إن اختلافها باختلاف أمزجة الأعضاء ، فالعضو البارد يخصه منه الأقل ؛ لاستغنائه عن الحرارة وبالعكس . وفي هذا الكلام عندي نظر ؛ لأن الحكيم اما أن تكون عنايته مصروفة إلى قوام البنية أولًا . لا سبيل إلى الثاني والا لكان ناقضاً لغرضه تقدس اسمه عن ذلك . ولا نقض بالعوارض الطارئة ؛ لاستنادها إلى موجبات يخفى على الأكثر أكثرها ولا بالانحلال الكلى للحكم بالنهاية من لدن البداية فتعين الأول . وحينئذٍ اما أن يكون بالمناسب أو بالمضاد . لا سبيل إلى الأول على الاطلاق ، والا لجاز تدبير الصفراء بنحو العسل والبلغم بنحو اللبن ، ولا قائل به . ولا نقض بالخواص بأنها واردة على غير الطبائع ، وسيأتي كونها معللة أولًا ، فتعين الثاني . وعليه يلزم عكس ما قالوه في التعليل . والذي أراه أن اختلاف هذه الثلاثة مع الأعضاء راجع أولًا إلى منافعها ، وقد عرفت أن الأعصاب للحس والحركة فما استغنى عنهما كالشحم والعظام فلا حاجة به إلى الكثير منها . وأن الأوردة لجلب الدم
--> ( 1 ) الصافن : عرق في أسفل الساق يفصد . ( محيط المحيط ) . ) ( 2 ) النّسا : بالفتح والقصر . عرق من الورك إلى الكعب . ( بحر الجواهر ) . )